ابو المظفر الاسفرايني
17
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين
الباب الأول في بيان أول خلاف ظهر بعد المصطفى وفي أيام الصحابة أو قريبا من عهدهم اعلم أن المسلمين وقت النبي صلى اللّه عليه وسلم وبعد وفاته كانوا على طريق واحدة لم يكن بينهم خلاف ظاهر ، ومن كان بينهم من المخالفين المنافقين ما كان يتمكن من إظهار ما كان يستسره من أخباره ، فكان أول خلاف ظهر بين المسلمين اختلافهم في وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى قال قوم منهم : إنه لم يمت ، ولكنه رفع كما رفع عيسى بن مريم . وارتفع هذا الخلاف ببركات أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه وسلم « 1 » حين صعد المنبر وخطب خطبة وتلا عليهم قوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ « 2 » ثم قال : « من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد ربّ محمد فإنه حىّ لا يموت » « 3 » فسكنت النفوس ، واطمأنت القلوب ، وأذعنت له الرقاب ، واعترفت الكافة بما ظهر من الأمر وزال الخلاف . الثاني : انهم اختلفوا في موضع دفنه صلى اللّه عليه وسلم . قال قوم : إنه يدفن بمكة لأنها مولده ، وبها قبلته ، وبها مشاعر الحج ، وبها نزل عليه الوحي ، وبها قبر جده إسماعيل عليه السلام وقال آخرون : انه ينقل إلى بيت المقدس فإن به تربة الأنبياء ومشاهدهم صلوات الرحمن عليهم . وقال أهل المدينة : أنه يدفن في المدينة لأنها موضع هجرته ، وأهلها أهل نصرته . فزال هذا الخلاف ببركة الصديق حين روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :
--> ( 1 ) هو عبد اللّه بن أبي قحافة التيمي القرشي أول الخلفاء الراشدين ولد بمكة ، ونشأ سيدا من سادات قريش ، وعينا من كبار موسريهم ، وعالما بأنساب القبائل وأخبارها ، وكان العرب يلقبونه ( عالم قريش ) بويع بالخلافة يوم وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم سنة 11 ه فحارب المرتدين وافتتحت في أيامه الشام وقسم كبير من العراق ولد سنة 51 قبل الهجرة وتوفى بالمدينة سنة 13 ه . ( 2 ) سورة الزمر . 3 . ( 3 ) أخرجه البخاري في تاريخه .